ابن عجيبة
481
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من حطام الدنيا ، فإنها إلى الزوال ، وقرأ ابن عامر : « تجمعون » بالخطاب ، على معنى : فبذلك فليفرح المؤمنون ، فهو خير مما تجمعون أيها المخاطبون . الإشارة : قد جعل اللّه في خواصّ أوليائه موعظة للناس بما يسمعون منهم من التذكير والإرشاد ، وشفاء لما في الصدور ، لما يسرى منهم إلى القلوب من الإمداد ، وما يكتسبه من صحبهم من أنوار التحقيق ، وهدى إلى صريح العرفان وإشراق أنوار الإحسان ، ورحمة بسكون القلوب والطمأنينة بذكر علام الغيوب ، قل بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، ففضل اللّه : أنوار الإسلام والإيمان ، ورحمته : أنوار الإحسان ، أو فضل اللّه : أحكام الشريعة ، ورحمته : الطريقة والحقيقة ، أو فضل اللّه : حلاوة المعاملة ، ورحمته : حلاوة المشاهدة ، أو فضل اللّه : استقامة الظواهر ، ورحمته : استقامة البواطن ، أو فضل اللّه : محبته ، ورحمته : معرفته . إلى غير ذلك مما لا ينحصر ، ولم يقل : فبذلك فلتفرح يا محمد ؛ لأن فرحه صلّى اللّه عليه وسلّم بالله ، لا بشئ دونه . ولمّا كانت موعظة القرآن العظيم مشتملة على التحليل والتحريم ، رد اللّه تعالى على من افترى خلافه ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 59 إلى 60 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 ) قلت : ( ما أنزل ) : نصب بأنزل أو بأرأيتم ؛ لأنه بمعنى أخبروني . يقول الحق جل جلاله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ : أخبروني ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ بقدرته ، وإن سترها بالأسباب العادية ، وقوله : لَكُمْ دل على أن المراد منه : ما حلّ ، ولذلك وبّخ على التبعيض بقوله : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا كالبحائر وأخواتها ، وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا « 1 » . قُلْ لهم : آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في التحريم والتحليل ، فتقولون ذلك عنه ، أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ في نسبة ذلك إليه ؟ ، وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أىّ شئ ظنهم يفعل بهم ، أيحسبون
--> ( 1 ) من الآية 139 من سورة الأنعام .